حسن محمد تقي الجواهري

364

الربا فقهياً واقتصادياً

على لذة اليوم ونعيمه بل الذي عليه الأكثر من الناس أنهم يضيقون على أنفسهم ويقللون من حاجاتهم ليخدروا جانبا من مالهم لقضاء حاجاتهم في المستقبل ، لأن الحاجات المتوقعة والأحوال المتوقعة والمخيفة يكون تصورها الذهني في عين الإنسان أكبر وأهم من حقيقة الأموال الحاضرة التي يجتازها اليوم طوعا أو كرها . ثم ما الذي يبتغيه الإنسان من وراء المساعي والجهود التي يبذلها في الحاضر ؟ هل يبتغي بها سوى أن يكون مستقبله باسما سعيدا ؟ أليس الإنسان يستنفذ كل ما تنتجه جهوده اليوم من الثمرات كيما يقضي الأيام الآتية من حياته براحة أكثر وطمأنينة أوفر مما يلقاه أيام حياته الحاضرة . وما أمعن في الغباوة والسفاهة ذلك الرجل الذي يؤثر أن يجعل حياته ذات رفاهة وتنعم على أن يكون مستقبله سيئا أو أسوأ من حاضره . أما أن يصدر ذلك من الإنسان على جهل منه أو سفاهة أو لكونه قد غلب على أمره من شهوة مؤقتة مفاجئة ، فلا حجة به ، وإلا فمن المستحيل أن يقول بصحة هذا الرأي ومعقوليته رجل يكون قد أوتي حظا من التفكير والتأمل ( 1 ) . بالإضافة إلى أنه ( لا يجب من وجهة نظر الإسلام أن يدفع إلى الرأسمالي فائدة على القرض حتى إذا صح أن سلع الحاضر أكبر قيمة من سلع المستقبل لأن هذا لا يكفي مذهبيا لتبرير الفائدة الربوية التي تعبر عن الفارق بين القيمتين ما لم تتفق الفائدة مع التصورات التي تبناها المذهب عن العدالة ) ( 2 ) وبما أن تصورات الإسلام عن العدالة تتناقض مع أخذ الفائدة كما هو واضح من التعبير القرآني الشديد والروايات النبوية ، فإن أخذ الفائدة يبقى بلا مبرر .

--> ( 1 ) الربا المردودي ص 20 - 21 . ( 2 ) اقتصادنا ص 563 .